مصطفى صادق الرافعي
81
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
العربي خاصة ، ثم هو بآثاره النامية معجزة أصلية في تاريخ العلم كله على بسيط هذه الأرض ، من لدن ظهر الإسلام إلى ما شاء اللّه ، لا يذهب بحقها اليوم أنها لم تكن قبل إلا سببا ، فإن في الحق ما يسع الأشياء وأسبابها جميعا . وليس يرتاب عاقل - ممن يتدبّرون تاريخ العلم الحديث ، ويستقصون في أسباب نشأته ، ويتشبّثون عند الخاطر من ذلك إذا أقدموا عليه ؛ وعند الرأي إذا قطعوا به - أنه لو لم يكن القرآن الكريم لكان العالم اليوم غير ما هو في كل ما يستطيل به ، وفي تقدمة وانبساط ظل العقل فيه وقيامه على أرجائه ، وفي نموه واستبحار عمرانه . فإنما كان القرآن أصل النهضة الإسلامية وهذه كانت على التحقيق هي الوسيلة في استبقاء علوم الأولين وتهذيبها وتصفيتها ، وإطلاق العقل فيما شاء أن يرتع منها « 1 » ، وأخذه على ذلك بالبحث والنظر والاستدلال والاستنباط ، وتوفير مادة الرّوية عليه بما كان سببا في طلب العلم للعمل ، ومزاولة هذا لذاك ، إلى صفات أخرى ليس هذا موضع بسطها - وإن لها لموضعا متى انتهينا إلى بابها من الكتاب - وهذا كله كان أساس التاريخ العلمي في أوروبا . فما من موضع في هذا ( الأساس ) القائم إلا وأنت واجد من دونه قطعة من الآداب الإسلامية أو العقول الإسلامية ، أو الحضارة الإسلامية ، فالقرآن من هذا الوجه
--> ( 1 ) كان العلم عند الأمم التي انطوت قبل الإسلام مما لا يستطيعه إلا طبقات تمتاز به وتبينها الأمم عن نفسها كما تبين سائر الطبقات الإلهية ، من الملوك والكهنة والأبطال وغيرهم ، الذين هم آلهة الأمة ، أو أبناء آلهتها ، أو الواسطة إلى الآلهة ، فكانت العلوم من خصائص الكهنة عند المصريين والأشوريين ، وفي أبناء الأشراف خاصة عند الغرناطيين والرومان ، وفي طائفة من الشبان يقع عليهم الاختيار عند الهنود واليونان . وكانت الدنيا القديمة على ذلك أو نحوه لا يصلح العلم إلا أن يكون نظرا وجدالا بين طائفة تتنافس فيه . لا لشيء إلا لأنه عملها وبه وزن أقدارها . ومتى كانت المنافسة ضيقة محصورة لا يشايع الناس عليها بعلم ولا يصوبون فيها ولا يخطئون فهي منافسة أهواء وشهوات ونزغات ، يكون فيها العلم سلما تحطم منها تحت كل قدم ثقيلة درجة . فلما جاء الإسلام حث على طلب العلم وعلى النظر والاعتبار والاستنتاج ؛ وجعل شعار دعوته مثل قوله تعالى : قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ وقوله : ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ؛ وترادفت أخبار الحث على طلب العلم فيه وفي كلام النبي صلّى اللّه عليه وسلم حتى قال عليه الصلاة والسلام : « اطلبوا العلم ولو في الصين » فكان هذا سببا في إطلاق الحرية العلمية للناس جميعا ، وخاصة أهل الأخلاق منهم الذين هم الطبقة الوسطى في كل أمة ، والذين بهم قوام الأمة : إذ يحملون ما فوقهم ويمنعون عما تحتهم ، وبذلك نضجت المنافسات العلمية وآتت ثمارها ، وأفضى الأمر في العلوم إلى ما وقع من الامتحان والاختبار ؛ ثم الاختراع والاستنتاج . وهذا كله لم يعرفه أساتذة اليوم ( الأوروبيون ) إلا في القرن السادس عشر للميلاد ؛ وهم قد أخذوه وأخذوا معه كثيرا من الفضائل الاجتماعية عن المسلمين وعلمائهم ، لا يكابر في ذلك منصفوهم وذوو الأحلام منهم ، وإلى اللّه ترجع الأمور .